عبد الشافى محمد عبد اللطيف

66

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

التاريخ ، خصوصا وأنه تاريخ يحوطه الغموض إلى حد كبير « 1 » ، وإنما يعنينا في المقام الأول هنا ، هو معرفة الحالة الدينية في يثرب قبل البعثة - بإيجاز شديد - لنعرف أثر ذلك في صدى الدعوة لدى أهل يثرب . والوضع الديني في يثرب يختلف عنه في مدن الحجاز الآخرى كمكة والطائف مثلا ؛ فمكة والطائف مدينتان وثنيتان ، أما يثرب فقد تجاورت فيها الوثنية مع اليهودية ، ولم تختلف يثرب عن مكة والطائف في الناصية الدينية فقط ؛ وإنما في عناصر السكان والسيطرة كذلك ، فمكة والطائف مدينتان عربيتان خالصتان ، تسيطر على كل منهما قبيلة عربية واحدة . أما في يثرب فقد اختلف الوضع ، فقد تجاور فيها العرب مع اليهود ، وكان لهؤلاء دينهم ، ولهؤلاء دينهم ، بل يمكن القول : إن اختلاف الدين كان بسبب اختلاف عناصر السكان ، فقد كان عرب يثرب ( الأوس والخزرج ) وثنيين وقد لا يختلفون في ذلك عن عرب مكة والطائف ، من حيث تعلقهم بالأصنام والالتفاف حولها . أما اليهود فكانت لهم ديانتهم ؛ وهي في أصلها وجوهرها ديانة توحيد ، لكن اليهود الذين عاصروا الدعوة حرفوها وانحرفوا بها عن أصلها ، كما أخبر بذلك القرآن الكريم ( المائدة : 13 ، 41 على سبيل المثال ) . ولعل تحريف اليهود لديانتهم والبعد بها عن جوهرها كان أحد أسباب عدم اعتناق عرب يثرب لها ؛ لأنها لم تكن مقنعة لهم ، بالإضافة إلى ادّعاء اليهود أنهم شعب اللّه المختار ، وأن اللّه اختصهم بهذه الديانة ولم يشاؤوا أن يشاركهم غيرهم فيها ؛ فلم يبذلوا أي جهد لدعوة العرب إلي دينهم . ولما كان لليهود من أثر في موقف أهل يثرب ( بل مواقف كثيرين من العرب ) ، من الدعوة وفي تطور هذا الموقف ، فينبغي أن نعرف شيئا من أخبارهم وتطور وجودهم وعلاقاتهم بمواطنيهم من العرب إلى أن جاء الإسلام ، أو بمعنى آخر ينبغي أن نعرف متى جاؤوا إلى يثرب ، ومن أين جاؤوا وما هو أصلهم ؟ يختلف المؤرخون حول تحديد الزمن الذي جاء فيه اليهود إلى يثرب ، وإقليم الحجاز عامة ، فيرى البعض أنهم جاؤوا إلى الحجاز بعد خروج موسى عليه السّلام بهم من مصر « 2 » ، وقبل دخولهم إلى فلسطين . ومنهم من يرى أنهم جاؤوا في عهد داود عليه السّلام . وهذه أقوال

--> ( 1 ) أحمد إبراهيم الشريف - المرجع نفسه ( ص 289 ) . ( 2 ) انظر ياقوت - معجم البلدان ( 5 / 84 ) ، وأحمد إبراهيم الشريف - المرجع السابق ( ص 305 ) ، وابن رسته - الأعلاق النفيسة ، ( طبع ليدن ، 1981 م ) ( ص 60 ) .